ابن قيم الجوزية
337
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
ومنهم من قال : بل هو ذكر العبد ربه بينه وبينه ، يسكن إليه قلبه ، ويطمئن . والقول الثاني : أن ذكر اللّه هاهنا القرآن ، وهو ذكره الذي أنزله على رسوله به طمأنينة قلوب المؤمنين . فإن القلب لا يطمئن إلا بالإيمان واليقين . ولا سبيل إلى حصول الإيمان واليقين إلا من القرآن . فإن سكون القلب وطمأنينته من يقينه ، واضطرابه وقلقه من شكه . والقرآن هو المحصل لليقين الدافع للشكوك والظنون والأوهام . فلا تطمئن قلوب المؤمنين إلا به . وهذا القول هو المختار . وكذلك القولان أيضا في قوله تعالى : 43 : 36 وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ والصحيح : أنه ذكره الذي أنزله على رسوله ، وهو كتابه من أعرض عنه قيض اللّه له شيطانا يضله ويصده عن السبيل . وهو يحسب أنه على هدي . وكذلك القولان أيضا في قوله تعالى : 20 : 124 وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ، وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى والصحيح أنه ذكره الذي أنزله على رسوله وهو كتابه . ولهذا يقول المعرض عنه 20 : 125 ، 126 رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى ، وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ؟ قالَ : كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها ، وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى . وأما تأويل من تأوله على الحلف ففي غاية البعد عن المقصود . فإن ذكر اللّه بالحلف يجري على لسان الصادق والكاذب والبر والفاجر . والمؤمنون تطمئن قلوبهم إلى الصادق ولو لم يحلف . ولا تطمئن قلوبهم إلى من يرتابون منه ولو حلف . وجعل اللّه الطمأنينة في قلوب المؤمنين ونفوسهم . وجعل الغبطة والمدحة والبشارة بدخول الجنة لأهل الطمأنينة . فطوبى لهم وحسن مآب .